سلمان مع أسقف النصارى الصالح : قال : يقول سلمانُ : فما رأيتُ رجلاً لا يصلي الخمسَ ، أرى أنه كان أفضلَ منه ، وأزهدَ في الدنيا، ولا أرغبَ في الآخرة، ولا أدأبَ ليلا ولا نهاراً منه . قال : فأحببتُه حبا لم أحبه شيئا قبله مثله . قال : فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاةُ، فقلتُ له : يا فلان ، إنى قد كنت معك ، وأحببتك حبّاً لم أحبه شيئاً قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر اللّه تعالى، فإلى من تُوصى بي ؟ وبم تأمرنى ؟ قال : أي بنى، واللّه ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه ، فقد هلك الناسُ ، وبدَّلوا وتركوا أكثرَ ما كانوا عليه ، إلا رجلاً بالمَوْصِل ، وهو على ما كنتُ عليه فالحق به .
سلمان يلحق بأسقف الموصل : فلما مات وغُيب لحقتُ بصاحب المَوْصل ، فقلت له يا فلان ، إن فلانا أوصانى عند موته أن ألحق بك ، وأخبرنى أنك على أمره ، قال : فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده : فوجدته خير رجل على أمرِ صاحبه ، فلم يلبثْ أن مات ، فلما حضرته الوفاة، قلت له يا فلان : إن فلاناً أوصى بي إليك ، وأمرنى باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر اللّه ما ترى ، فإلى من تُوصى بي ؟ وبم تأمرنى؟ قال : يا بنى، واللّه ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه ، إلا رجلا بنَصِيبين ، وهو فلان فالحق به .
سلمان يلحق بأسقف نصيبين : فلما مات وغُيب لحقت بصاحب نصيبين ، فأخبرته خبري ، وما أمرنى به صاحباي ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه ، فأقمت مع خير رجل ، فواللّه ما لبث أن نزل به الموت . فلما حُضر، قلت له : يا فلان ! إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بى فلان إليك ، فإلى من تُوصى بى؟ وبم تأمرنى؟ قال : يا بنى، واللّه ما أعلمه بَقىَ أحدٌ على أمرِنا أمرك أن تأتيَه إلا رجلاً بعَمّورِية من أرض الروم ، فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأته ، فإنه على أمرنا.
سلمان يلحق بصاحب عمورية : فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب عَمُّورِية، فأخبرته خبري ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل ، على هَدْي أصحابه وأمرِهم ، قال : واكتسبتُ حتى كان لي بقرات وغُنَيْمة قال : ثم نزل به أمرُ اللّه ، فلما حُضِر، قلت له : يا فلانُ ، إنى كنت مع فلان ، فأوصى بى إلى فلان ، ثم أوصى بى فلان إلى فلان ، ثم أوصى بى فلان إليك ، فإلى من تُوصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني واللّه ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مِثل ما كنا عليه من الناس أمرك به أن تأتيَه ، ولكنه قد أظل زمانُ نبىٍّ ، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب ، مُهَاجَرُه إلى أرض بين حَرَّتَيْن ، بينهما نخل به علامات لا تخفي، يأكل الهديةَ، ولا يأكل الصدقةَ، وبين كتفيه خاتَمُ النبوة، فإن استطعتَ أن تلحقَ بتلك البلاد فافعلْ .
قال : ثم مات وغُيِّب ، ومكثت بَعَمُّورِية ما شاء اللّه أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كَلب تجار، فقلتُ لهم : احملونى إلى أرض العربِ ، وأعطيكم بقراتي هذه وغُنَيْمتى هذه ، قالوا: نعم فأعطَيْتُهُموها، وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلمونى، فباعوني من رجل يهودي عبداً، فكنت عنده ، ورأيت النخلَ ، فرجوْتُ أن يكون البلدَ الذي وَصف لي صاحبى، ولم يحق في نفسى .